عبد الفتاح عبد المقصود
117
في نور محمد فاطمه الزهراء
فهل هذه السمات في الزهراء طبيعة أم هي انطباع ؟ بل طبيعة وانطباع ، كلا الأمرين في الفتاة يلتقيان . من هوس الضجّة ، وعربدة اللهو ، وعبث اللغو ، وسقط الهراء ، عصمها اللَّه ، عصمها لأنّها موهوبة للكمال ، ولأنّ في دمائها - من أبيها - نواة لهذا الكمال ، ولانّ حياتها في أحضانه طبعتها بما جبل عليه من خصال . بطبعها وانطباعها هي خليقة بأن تعفّ عن المباذل ، حريّة بأن تمتنع عن أيّة بادرة قد تنزل بها - ولو قيد شعرة - عن قدرها الرفيع ، حقيقة بأن تتسامى بسلوكها الإنساني إلى صفاتها النورانية التي تضعها على قمة المكارم . تفعل هذا وإن هو جافى السلائق البشرية إبّان عمرها الغضّ الذي ما زال بعد في مستهلّه ، وما قطعت من رحلة حياتها على دنياها إلّاما يساوي مثل عمر الزهور . أفهي للجلال منذورة أم هي به مأمورة ؟ بل تفعل وإنّها لمختارة ، تفعل لأنّ فكرها أكبر من عمرها ، ولأنّ طاقتها الروحية أوسع من طاقة جسدها الضئيل ، تفعل تطلّعاً إلى غدٍ عظيمٍ حافلٍ ، إن لم تكن تلحظ برأي العين وقائعه المقبلات فإنّها ترمقه بعين الشعور ، تفعل لتتمرّس بالجدّ ، وتعيش الصبر ، وتتزوّد بالمعرفة ، وتتدرّب على مجالدة الخطوب ومجابهة جلائل « 1 » الأمور . والبشائر تنبئ عن أحداث جِسَام ، والمسيرة أمامها عسيرة ، والطريق طويل ، والمعاناة المنتظرة مفازة وعرة من جلاميد وأشواك ، يلفّها ظلام كثيف يحشو الأبصار فيشقّ اجتيازها على السُراة « 2 » . أمّا الصغيرة الأثيرة فإنّها تشعّ الضياء ، ولأنّها شفّافة النفس ، ولأنّها مشرقة الوجدان ، ولأنّها مصوغة من إيمان . فلقد كانت ترى في الدياجير « 3 » ، برمقها الكاشف ترى البعيد ، بقلبها الملهم
--> ( 1 ) . الجلائل من الأُمور : عظيمها . ( 2 ) . السُرى : سير الليل . ( 3 ) . الدياجير : جمع ديجور ، وهو الظلام .